ابن قيم الجوزية

36

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

يعيده إلى الجنة فلا ريب أن الأمر كذلك ولكن ليس يعلم أن الضمان إنما يتناول عوده إلى تلك الجنة بعينها بل إذا أعاده إلى جنة الخلد فقد وفي سبحانه بضمانه حق الوفاء . ولفظ العود لا يستلزم الرجوع إلى عين الحالة الأولى ولا زمانها ولا مكانها بل ولا إلى نظيرها كما قال شعيب لقومه « قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا » وقد جعل اللّه سبحانه المظاهر عائدا بإرادته الوطء ثانيا أو بنفس الوطء أو بالإمساك وكل منها غير الأول لا عينه فهذا ما أجابت به هذه الطائفة لمن نازعها . الباب السادس في جواب من زعم أنها جنة الخلد عما احتج به منازعوهم ( قالوا ) أما قولكم إن اللّه سبحانه أخبر أن جنة الخلد إنما يقع الدخول إليها يوم القيامة ولم يأت زمن دخولها بعد ، فهذا حق في الدخول المطلق الذي هو دخول استقرار ودوام وأما الدخول العارض فيقع قبل يوم القيامة وقد دخل النبي صلى اللّه عليه وسلم الجنة ليلة الإسراء وأرواح المؤمنين والشهداء في البرزخ في الجنة ، وهذا غير الدخول الذي أخبر اللّه به في يوم القيامة ، فدخول الخلود إنما يكون يوم القيامة فمن أين لكم أن مطلق الدخول لا يكون في الدنيا وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بكونها دار المقامة ودار الخلد ؟ قالوا وأما احتجاجكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة وأنها لم توجد في جنة آدم عليه السلام من العرى والنصب والحزن واللغو والكذب وغيرها فهذا كله حق لا ننكره نحن ولا أحد من أهل الإسلام ولكن هذا إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة كما يدل عليه سياق الآيات كلها فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها وهذا لا ينفي أن يكون فيها بين أبوي الثقلين ما حكاه اللّه سبحانه وتعالى من ذلك ، ثم يصير الأمر عند دخول المؤمنين إياها إلى ما أخبر اللّه عنها فلا تنافي بين الأمرين ( وأما ) قولكم إنها دار جزاء وثواب لا دار تكليف وقد كلف اللّه سبحانه آدم بالنهي عن الأكل من تلك الشجرة فدل على أن تلك الجنة دار تكليف لا دار خلود فجوابه من وجهين ( أحدهما ) أنه إنما تمتنع أن تكون دار تكليف إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة فحينئذ ينقطع التكليف ( وأما ) وقوع التكليف فيها في دار الدنيا فلا دليل على امتناعه البتة ، وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « دخلت البارحة الجنة فرأيت امرأة